المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحبانية ج3


jool
05-19-2008, 09:26 AM
عندما بدأت مهرجانات بعلبك في لبنان, كان منظموها يستعينون بفرق أجنبية من مختلف أنحاء العالم, ولكن ابتداءً من العام 1957 ولدت الحاجة إلى تقدي مفن لبناني في هذه المهرجانات, فكان الرحابنة أول من استدعي. أوكلت إليهم مهمة التلحين فقط في البداية, لكن عاصي أصر على استلام المهرجان كله. كانت اللجنة المنظمة ضد أن تكون فيروز هي المطربة, لكن عاصي أصر على موقفه, وقال للجنة أنهم لا يعرفون فيروز, وأنها ستغني شيئاً مختلفاً عن المتوقع, كما عرض أن تتقاضى فيروز ليرة لبنانية واحدة فقط, وهكذا كان.
في ليلة الافتتاح, عمد المخرج "صبري الشريف" إلى وضع فيروز على قاعدة عمود, وسلّط عليها الأضواء من أسفل العمود ومنزوايا مختلفة, فظهرت وكأنها تسبح في الفضاء, عندما بدأت تغني: "لبنان يا أخضر حلو".. كان هذا المشهد صاعقاً للجمهور, الذي اشتعل له تصفيقاً في موجة بين التأثر والبكاء والغبطة. قدمت الحفلة لليلتين فقط كما كان مقرراً, في كل ليلة كان هناك حوالي خمسة آلف مشاهد, وكان بينهم الرئيس "كميل شمعون".
لكن المهرجانات ألغيت في السنة التالية, بسبب الأحداث التي شهدها لبنان في تلك السنة, في العام 1979عاد المهرجان, وقدم الرحبانيان "المحاكمة" من بطولة فيروز ووديع الصافي.
بشّر العام 1960 بولادة عصر جديد في مسيرة الرحبانيان, حيث بدأا بتقديم المسرحيات في بعلبك ومناطق أخرى, بدءاً من "موسم العز" بالاشتراك مع "صباح" و "وديع الصافي" و"نصري شمس الدين" , ثم "البعلبكية" عام 1961.

وبعد أن قدمت "جسر القمر" في بعلبك ودمشق عام 1962, عرضت "عودة العسكر" على مسرح سينما "كابيتول", بعدها بعام شهد مسرح "كازينو لبنان" مسرحية "الليل والقنديل".

بعدئذٍ, سوف تقدم أعمالهم في كل من بعلبك ودمشق, كانوا يقدمون نفس البرنامج في المكانين, وأحياناً كانوا يعدون برنامجاً خاصاً ليقدم في دمشق. فيدمشق اعتادوا على استهلال كل برنامج بأغنية تحية مثل: "سائليني" , "شام يا ذا السيف" , "يا شام عاد الصيف" , "حملت بيروت في قلبي وفي نغمي" ...

استمرت مهرجانات بعلبك تقطف جمهوراً متزايداً كل سنة مع مسرحيات "جسر القمر" , "دواليب الهوا" , "أيام فخر الدين" , "جبال الصوان" , "ناطورة المفاتيح" ...

في عام 1964, اتصل بهم منظمو مهرجانات الأرز, وطلبوا منهم تقديم برنامجاً شبيهاً لبرامج بعلبك, قدم الرحبانيان وقتها مسرحية "بياع الخواتم" والتي كانت تجربة مختلفة كلياً, كونها مسرحية مغناة من أولها إلى آخرها. حضر عشرة آلاف شخص الليلة الأولى، وأحد عشر ألفاً الليلة الثانية, وكانت تلك ظاهرة فريدة.
عرضت "دواليب الهوا" مع صباح ونصري شمس الدين على مسرح بعلبك عام 1965, بعدها مباشرة قدما مع فيروز حفلة غنائية في قصر بيت الدين, لقيت نجاحاً كبيراً, ولحق بهم الناس من بعلبك إلى بيت الدين.
كان النجاح حليفهم أنّى ذهبوا, وباتت الدعوات تأتيهم من كل حدب وصوب, كانوا يعملون بدون توقف. في عام 1967, عرض عليهم الأخوة "عيتاني" تقديم عمل على مسرح "البيكاديللي" كل سنة, بدأ الرحبانيان بتحضير برنامجاً لمهرجانات بعلبك أو الأرز في الصيف, وبرنامجاً آخر لدمشق, وثالث, على الأغلب مسرحي, لمسرح البيكاديللي في الشتاء, ابتداءً من "هالة والملك". كل هذا بالإضافة إلى الحفلات الغنائية خارج لبنان وسوريا. كانا يعملان في المكتب والبيت, يكتبان, يلحنان، يدرّبان, ويخططان ليل نهار, كانت غزارة إبداعهما فريدة من نوعها, وغير مسبوقة على الإطلاق.
كانا يعملان كل لوحده, ومع بعضهما. أحدهما يكتب والثاني يلحن والعكس بالعكس, حسب انشغالهما بالعمل. أو كان يكتب أحدهما والثاني يغير ما كتبه. امتزجت أعمالهما بعضها ببعض لدرجة أنهما كانا أحياناً, لا يستطيعان تحديد من فعل ماذا على وجه التحديد. لم يقوما بفصل عمل أحدهما عن الآخر مطلقاً, كانت الأعمال تصدر وتوقع باسم: "الأخوين رحباني". عندما كان يحصل اختلاف في الرأي, كانا يلجأا إلى استشارة الأصدقاء ليبتّوا بالأمر. وكم من مرة تدخلت جدتهما لتحسم الأمر لصالح عاصي, صارخة في وجه منصور: "اسكت.., أخوك أكبر منك, وهو دائماً على حق"...

في عام 1962, تأسست محطة تليفزيونية جديدة في لبنان, وطلب من الرحابنة إعداد برنامجاً موسيقياً ليوم الافتتاح, وبعد الإصرار على شروط إعداد البرنامج ليتناسب ومستوى أعمالهما, قدما أول عرض تليفزيوني لهما "حكاية الإسوارة" والتي قوبلت بنجاح كبير. بعدها استمرت المحطة في طلب المزيد من البرامج, لكن الأخوين رحباني كانا يعتذران عن تلبيتها, لئلا يحترقا من كثرة الظهور على الشاشة الصغيرة, فضلا أن تبقى الأعمال المسرحية التي يقصدها الناس إلى المسرح, بدلاً من أن تذهب هي إلى بيوتهم بالسهولة التي تقتل الفن عادة. لكنهما لم يقطعا الصلة بالتلفزيون كلياً, فمن فترة لأخرى, كانا يقدمان برنامجاً تكون له أصداء كبيرة، وتكتب عنه الصحافة, ويطلب الناس إعادة بثه مراراً, من بين تلك البرامج: "دفاتر الليل", "ليالي السعد", "ضيعة الأغاني", "القدس في البال"، وبرامج لعيد الميلاد،وأخرى لعيد الفصح, وكانت نجمتها جميعها: فيروز.
بالإضافة إلى ذلك, كتبا مسلسلين من بطولة "هدى", أحدهما "قسمة ونصيب" والثاني "من يوم ليوم"، الذي اشترته محطات تليفزيونية عربية كثيرة, واشتهر كأحد أجمل المسلسلات الغنائية التي جمعت بين التشويق البوليسي والعقدة الغريبة.

بعد ذلك أوقف الرحابنة العمل للتلفزيون, خاصة بعدما أدركا أن محطات التليفزيون لن تدفع بسخاء من أجل أعمالهما، والتي حرصا كثيراً على بقائها في مستوى عالٍ من ناحية المضمون, ومن الناحية التقنية, لئلا يخيب أمل الجمهور الذي يأتي ليرى ما يتوقعه منهما.
خطوتهما التالية نحو السينما كانت عندما جاء بالفكرة صديقهما "رجا الشوربجي" الذي أقنعهما بتحويل إحدى المسرحيات إلى فيلم سينمائي, وبعد استشارة "كامل التلمساني" مستشار مكتبهما, والمخرج المصري "يوسف شاهين" الذي صودف وجوده في لبنان في تلك الفترة، قررا نقل مسرحية "بياع الخواتم" إلى الشاشة الفضية, كما وافق "نادر الأتاسي" على إنتاج الفيلم. وكان عاصي ومنصور وفيروز وصبري الشريف شركاء في الإنتاج مقابل أتعابهما, عندما وضعت الميزانية المبدئية للفيلم, كانت 220 ألف ليرة لبنانية, إلا أنه كلّف في النهاية 600 ألف, مما شكل كارثة مالية لفريق الإنتاج, إلا أنه لاقى نجاحاً عظيماً لدى الجمهور وفي الصحافة, مما شجع للبدء في كتابة سيناريو خاص للسينما.
كان الفيلم الثاني: "سفر برلك" من إنتاج نفس فريق إنتاج الفيلم الأول, أخرجه "هنري بركات", هذه المرة لم تتخطّ ميزانية الفيلم الرقم المبدئي الموضوع, إلا بنسبة قليلة, وعرض لفترات طويلة في لبنان وبقية الدول العربية, على الرغم من الاحتجاج الذي قدمته الحكومة التركية بحجة أن الفيلم يتكلم بالسوء عن تركيا.
نجاح "سفر برلك" شجع الأخوين رحباني على المغامرة في فيلم ثالث هو"بنت الحارس" الذي كان موفقاً كسابقيه, والذي أظهر الكثير من الجمال, كما نجح تقنياً بسبب الاستعانة بتقنيين أجانب, كما في الأفلام السابقة, وتم تحميض الفيلم في لندن.
مع "بنت الحارس" أتمّ الرحابنة الدورة التي معها دخلا إلى التراث اللبناني من مختلف أبوابه: المسرح, الإذاعة, التليفزيون, والسينما. وانتشر هذا التراث الموسيقي والحواري بين الناس عبر تلك الوسائل, فراج وبقي في القلوب والنفوس.

منذ أواخر الستينات, بدأت تصدر الدراسات النقدية والانطباعية والتأريخية لما بات يسمى فيما بعد: "مدرسة الأخوين رحباني". هذا التيار الذي اشتهر عند الناس، امتد عصره الذهبي من منتصف الستينات إلى أواسط السبعينات, والذي انكسر بسبب الحرب في لبنان.
خمس عشرة سنة, كان خلالها الرحابنة مسيطرين على الفن الموسيقي في المنطقة, من خلالهما انتشرت اللهجة اللبنانية المحكية في العالم العربي, انطلقا من مبدأ أن المسرح له لغته الخاصة "اللغة البيضاء" والتي تختلف عن اللغة المحكية. اختارا بعناية أجمل ما في المناطق اللبنانية, ونسجا لغة مسرحية ذات معالم تتمتع بجميع الخصائص اللبنانية, وفي نفس الوقت مفهومة في كل العالم العربي. وفي الأغاني انتهجا نفس الخط, كل هذا لم يأت صدفة, فقد عمل الرحابنة عليه بكل وعي ومعرفة. كان عاصي ومنصور واعيين تماماً أين هما, وإلى أين يجب أن يصلا, كانت خطواتهما جميعه اواعية ومقصودة.