المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خبب و أراضيها


King Diamond
05-14-2008, 11:17 AM
عندما يكون الموت سيد الأحكام، فماذا يفعل الأحياء حفاظاً على أشيائهم الخاصة التي إن ماتوا لن تكون بحوزتهم مرة أخرى، وإذا كان الموت أحد أهم أنظمة الكون الذي نعيشه فإن مسؤولية الحياة لا تعني أبداً الاستسلام لموت يكون غياب القانون هو الكفيل الوحيد لقوننته وجعله واقعاً مستمراً.

الآن بعيداً عن كل فلسفات العالم التي توجهت للحياة والموت معاً دعونا نهبط لأرض الواقع لننظر لعلاقة من نوع خاص بين أناس استبيحت أرضهم وأخرجوا منها عنوة وبين غرباء وجدوا في هذه الأرض مسكناً جديداً لهم، إنها لحظة خاصة لا وجود فيها لقانون أو فلسفة ولا وجود فيها سوى لما صنعه الجهل وسيادة الأقوى مع فساد لابد منه.




بداية الرحلة:
في البداية كان الطريق لدرعا تلك المدينة التي توحي حجارتها السوداء بأن حزناً ما يخيم على بعض مناطقها، هذا الحزن الذي سرعان ما باغتني أيضاً لدرجة توقعت فيها أننا أخطأنا بقدومنا، ففي درعا لن يكون هناك حياة مختلفة، وبالتالي ما من هموم مختلفة عن الهموم المتعارف عليها، ولكن رب مصادفة خير من ألف ميعاد، فالمصادفة التي جمعتنا بأحد المنتظرين على الطريق كانت منقذاً لنا من سؤال مبهم عن هذه القرى النائية، وليقيننا بأن (كنان) ابن المنطقة والأعرف بمشكلاتها تركنا له أمر اختيار وجهتنا الأولى.

(من أين تريدون أن نبدأ خبب.. انخل.. القنيه.. دعونا نبدأ من خبب واعتداء البدو عليها).. للوهلة الأولى اعتقدنا أن كلمة الاعتداء هذه مجرد زيارة سنوية للبدو لأراضي خبب، وفي أعقد الاحتمالات قد تكون غارات بدوية على أرزاقهم، وبصراحة لم تسعفنا مخيلتنا الصحفية لما هو أبعد من ذلك، فنحن نعيش في زمن لم يعد مقبولاً فيه أن تعرف أن أناساً يستولون وبشكل كامل على أملاك أناس آخرين وبدعم من البعض كيف!؟ إليكم القصة.

تفاصيل لابد منها:
تعود الحكاية لعام 1947 عندما قدم بدو رحل لنصب خيامهم بأراضي خبب العقار /4497/ وقتها دخلت أول فرقة مساحة لقرية خبب لمسح الأراضي، وبعد خروج الفرقة اعترض البدو على العقار، وتقدموا بطلب لتسجيل الأرض المتجاوز عليها، فأصدر القاضي العقاري قراراً مؤرخاً في17 شباط 1947 يقضي برد طلبهم لمخالفته القانون، ولأن أهالي خبب يملكون أحكاماً وسندات تمليك قانونية، ولكن ما حدث بعد ذلك ومنذ عام 1967 أن البدو بدؤوا ببناء بيوت لهم على هذه الأراضي والتي تتجاوز مساحتها 23 ألف دونم أي حوالي ثلث أراضي القرية عدا عن قتل كل فلاح يحاول زراعة أرضه أو الاقتراب منها، واقترفت أول جريمة قتل بحق (هايل الغازي) وبعده (خلف السكران) ليشنعوا بجثته، أما رد الحكومة على ذلك فكان ببناء مدارس لهم وتجاهل كل القرارات القضائية لإخلائهم وامتناع شرطة درعا عن تقديم مؤازرة لمديرية التنفيذ بالصنمين وتأجيل في القرارات لصالح شخص أو أكثر وأحياناً محاولة التلاعب بها.

فرزات شحاده (مختار خبب) لم يترك باباً إلا وطرقه بدءاً من وزارة الداخلية ومجلس الشعب وانتهاءً بمحافظة درعا، ولكن دون فائدة تذكر، والشيء الذي يسجل لهذا المختار هو حماسته وإصراره كباقي أهالي القرية طبعاً على استرداد ملكيتهم مهما كان الثمن (لن أتكلم حتى يحضر بقية المناضلين وما أكثرهم) وما هي إلا بضع دقائق حتى تكدست أمامنا ملفات من القرارات والأحكام والمناشدات يلزمك ما يقارب الشهر لقراءتها، فهي نتاج قضية عالقة منذ أكثر من ثلاثين عاماً مع أن الحق فيها واضح كالشمس، ولكن الفساد كفيل بكل شيء، وهذا ما أكده المختار مراراً: (في هذا المكان لا سيادة للقانون، فالرشاوى والبراطيل كانت كفيلة بتحويل الظالم إلى صاحب حق، والمفسدون يتحملون كل المسؤولية، ولدينا كل الوثائق التي تثبت ذلك، ولكن المشكلة أن لا أحد يكترث لأمرنا ولا لوثائقنا، وكما يقال ليس باليد حيلة، وسنبقى نستصدر أحكاماً قضائية حتى يأتينا الفرج يوماً ما، وبصدق ليس هناك شعور أصعب من أن تجد شخصاً غريباً يستملك أرضك وينعم بخيراتها بينما أنت لا تجرؤ على النظر إليها إلا من بعيد، إنها شريعة الغاب والقوي يأكل الضعيف).

وفعلاً من يُضرب بالعصي ليس كمن يعدها، فالغصة التي تلحظها في كلام هؤلاء الناس تجعلك تدرك حجم المعاناة التي يعيشونها وتجعلك تحسد نفسك على ذلك الحقل الصغير الذي تحرثه وتأكل من ثماره متى تشاء دون أن يعترض أحد طريقك.
ركان زراعنه من المتضررين أيضاً، ويشبه ما حدث معهم بقصة ذلك الأعرابي الذي دخل لدمشق يوماً ومعه جمله ليخرج أهالي دمشق ويقولون له أعطنا ناقتك حتى وصل الخبر لمعاوية، فخرج مطالباً إياه (أعطهم الناقة) ويمنحه بعدها (أربعة جمال) قائلاً: (كدت أخسر دمشق بسبب جملك) مع فرق بسيط وهو أن الحكومة تريدنا أن نمنح أراضينا للبدو دون أن تقدم لنا لا ناقة ولا جمل: (كل ما فعلته الحكومة لنا هو محاولة التستر على البدو وعدم إيصال صوتنا لأي جهة كانت، إنها مصالح شخصية ومحسوبيات وإلا فما هو المبرر لهذا التجاهل الكامل لمشكلاتنا، لعل مجيئكم إلينا اليوم يفتح الأبواب المغلقة.. إنكم أملنا الأخير).

الغريق يتعلق بقشة:
هذا أبسط ما يمكن أن يقال أو يفسر اللهفة والحفاوة التي استُقبلنا بها (بغض النظر عن كرم هؤلاء الناس) فالصحافة بصيص الأمل المتبقي لعلنا وعبر هذا الاستطلاع نستطيع أن نكشف ما تم الابتعاد عنه لأعوام طوال.