المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة للتأمل ( سر السعادة )


Father Fadi
04-30-2008, 08:28 PM
قصّة للتأمل

كان هنالك شاب يريد أن يعرف ويتعلّم سرّ السعادة، ولم يكن يعرف أين ينبغي أن يتعلّم هذا السر. وراح يسأل الناس: "ماذا أعمل لكي أصبح إنسانًا سعيدًا؟!.."، وكل واحد كان يجيبه جوابًا مختلفًا عن الآخرين، فاحتار كثيرًا وتابع بحثه حتى وصل في آخر المطاف إلى شخص قال له: "ما من أحّدٍ يستطيع أن يعلمك سر السعادة سوى ذلك الحكيم القديم الأيّام الذي يقيم في وسط الصحراء منذ زمن بعيد".
وراح ذلك الشاب يقطع الصحراء، غير عابىءٍ بحرّ النهار ولا ببرد الليل إلى أن وصل، بعد أسبوعٍ من السير المتواصل، إلى واحةٍ غنّاء، فيها من الخيرات ما لذَّ وطاب، فقال في نفسه لماذا لا أبقى هنا فلديّ كل ماتشتهيه نفسي من خيراتٍ أتلذّذ بها، ولكنّه عاد إلى نفسه عند المساء قائلاً: "لكني ما أتيت إلى ههنا لأجل هذا ". فنهض وتابع سيره مع غروب الشمس آخذًا معه ما يلزمه للطريق.
ومشى أسبوعًا ثانيًا في تلك الصحراء المترامية الأطراف، تحف به مخاطر الوحوش والأفاعي والحشرات السّامة، إلى أن وصل أخيرًا لأرضٍ تقطنها إحدى القبائل، فدعاه أهل تلك القبيلة للإقامة عندهم، ولمّا كان زعيم القبيلة مشرف على الموت، إعتبر أهلُها أن الشّاب الذي قدم إليهم هو مرسل من الآلهة ليصبح زعيمًا عليهم، فعرضوا عليه ذلك، وفي البداية راق له الأمر، لما لقيه عندهم من إكرامٍ وتبجيل، ولكنه عندما عاد إلى ذاته مساءً، وقال في نفسهِ:" إني ما أتيت إلى ههنا من أجل هذا" فنهض وأكمل سيره تحت جنح الليل وهو يحلم بذلك الشيخ تحت سماءٍ صافيةٍ مرصّعةٍ بالنجوم البرّاقة.
وسار أسبوعًا ثالثًا، لاقى خلاله من المخاطر والمشاقّ ما لاقى، إلى أن إنتهى إلى قريةٍ قائمةٍ على تلّة فاستبشر خيراً، فدخل القرية وإذا به يرى أنّ أهلها قد غرقوا بشتّى أنواع الملذّات والشهوات فاستغوته إحدى الحسناوات، إجتذبه جمالها للوهلة الأولى، ولكنّه عاد إلى ذاته وقال:" إني ما لهذا أتيت إلى ههنا وقطعت كلّ هذه الأميال، عليّ أن أسعى إلى البلوغ لهدفي" .
وأخيرًا بعد أن سار أسبوعًا رابعًا، لاح له من بعيدٍ في الأفق، قصر عظيم، فأدرك أنّه وصل إلى الهدف المرجوّ. دخل القصر فلاقاه رجلٌ مسنٌّ قد استنار وجهه بأنوار الحكمة والوقار وبدت عليه إمارات الفضيلة والقداسة، فسأله الشيخ الجليل عن سبب مجيئه، فأجابه الشّاب:" لقد أتيتك من بعيد لكي تعلّمني سرّ السعادة الحقّة". فنظر إليه الحكيم مليًّا وأحبّه وبعد ساعة من الانتظار، قال الحكيم للشاب: " ليس لي وقت للكلام لكن إذهب وقم بجولة في حنايا القصر وعد إليّ بعد ساعتين، ولكن قبل أن تمضي خذ معك هذه الملعقة وانتبه أن لا توقع منها نقطتي الزيت" .
فمشى الشاب في القصر الواسع دون أن يلاحظ ما فيه من جمالاتٍ وتحف، لأن عينيه كانتا ترقبان نقطتي الزيت في الملعقة خوفًا من أن يسقطا. و بعد ساعتين من الجَوَلانِ في القصر، عاد إلى الحكيم، منتظرًا منه الجواب ، فسأله الأخير: هل تمتّعت بمشاهدة الزّخارف و سجّاد القصر و حدائقه و و و...؟؟؟ فأجابه الشاب: " أيها المعلم الحكيم كيف لي أن أتمتّع برؤية كل هذه الأشياء وعيناي تنظران كل الوقت إلى نقطتي الزيت فما نفعي من السجّاد و...و...أعطني جوابًا على سؤالي ودعني أذهب".بدلاً من الجواب قال له الحكيم: "عليك بالصبر، عد ثانية إلى الداخل و تجوّل في القصر لكن لاتنس أن تنظر إلى أثاثه، وخذ معك الملعقة ونقطتي الزيت" .
وعاد الشاب ثانية يتجوّل في القصر و قد ذهل لما عاينه من الجمالات. ولمّا انتهى من عمله هذا عاد إلى الحكيم وأخذ يخبره عن كل ما شاهد من الألف إلى الياء. فقال له الحكيم: " أحسنت ولكن أين نقطتا الزيت؟ " . فنظر الشاب ولم يجد معه إلا ملعقة فارغة، فحدّق به الحكيم مبتسمًا وقال له: " يا بنيّ إن سرّ السعادة هو أن تعيش حياتك على هذه الأرض وتجول فيها، من دون أن تضيّع نقطتي الزيت الموجودتين في داخلك ".